ابن الجوزي

210

صفة الصفوة

فلما رأيت الشّوق والحبّ بائحا * كشفت قناعي ثم قلت : نعم نعم فإن قيل مجنون فقد جنّني الهوى * وإن قيل مسقام فما بي من سقم وحقّ الهوى والحبّ والعهد بيننا * وحرمة روح الأنس في حندس « 1 » الظلم لقد لامني الواشون فيك جهالة * فقلت لطرفي أفصح العذر فاحتشم فعاتبهم طرفي بغير تكلّم * وأخبرهم أن الهوى يورث السّقم فبالحلم يا ذا المنّ لا تبعدنّني * وقرّب مزاري منك يا بارئ النّسم فقلت له : أحسنت لقد غلط من سمّاك مجنونا ، فنظر إليّ وبكى وقال : أو لا تسألني عن القوم كيف وصلوا فاتصلوا ؟ فقلت : بلى أخبرني ؟ فقال : طهّروا له الأخلاق ، ورضوا منه بيسير الأرزاق ، وهاموا من محبّته في الآفاق ، وائتزروا بالصدق ، وارتدوا بالإشفاق ، وباعوا العاجل الفاني بالآجل الباقي ، وركضوا في ميدان السباق ، وشمّروا تشمير الجهابذة الحذّاق ، حتى اتصلوا بالواحد الرزّاق ، فشرّدهم في الشواهق وغيّبهم عن الخلائق ، لا تؤويهم دار ولا يقرّهم قرار ، فالنظر إليهم اعتبار ، ومحبتهم افتخار ، وهم صفوة الأبرار ، ورهبان أخيار ، مدحهم الجبّار ووصفهم النبيّ المختار ، إن حضروا لم يعرفوا ، وإن غابوا لم يفتقدوا ، وإن ماتوا لم يشهدوا . ثم أنشأ يقول : كن من جميع الخلق مستوحشا * من الورى تسري إلى الحق واصبر فبالصّبر تنال المنى * وارض بما يجري من الرّزق واحذر من النّطق وآفاته * فآفة المؤمن في النّطق وجدّ في السّير ممرّا كما * شمّر أهل السّبق للسّبق أوليك الصّفوة ممّن سما * وخيرة اللّه من الخلق قال : فأنسيت الدنيا عند حديثه ، ثم ولّى هاربا فأنا متأسّف عليه .

--> ( 1 ) الحندس : الليل الشديد الظلمة .